الأربعاء، 26 نوفمبر 2014

حملة شارلكان على مدينة الجزائر (1541)

جزر البليار و مدينة الجزائر . الخريطة مقتطعة من موسوعة Encarta 
تجمعت القوات المجهزة لخوض الحملة في مدينة "ماهون" في جزيرة "مينوركا" من جزر البليار.
كانت القوات الغازية تتكون من 24000 محـــارب و 1200 بحار،2000 حصا وعتاد ضخم. حمل الكل على متن 65 سفينة و 45 مركبا.
كانت ألمع الأسماء الاسبانية ضمن المشاركين في الحملة و نجد بين قادتها كورتاز Cortez  فاتح المكسيك الشهير.
أقلعت السفن في اليوم (18)الثامن عشر من أكتوبر و في اليوم الموالي كانت هذه الأرمادا على مرأى من سواحل الجزائر.
في صباح اليوم العشرين من ذات الشهر مرت أمام المدينة ثم رست في عرض الخليج. ولكن البحر كان شديد الاضطراب ولم تتمكن هذه القوة  من النزول إلا في صباح يوم 23. 
استقر الجيش على الساحل على يسار مصب واد الحراش وغادر الكل أجواف السفن  حيث كانوا مكدسين طيلة أيام وليال. ومن هناك أرسل الإمبراطور إلى حسن أغا إنذارا يطالبه فيه بتسليم مدينة الجزائر، وذكره بنجاحه الحديث العهد في تونس وأعلمه أنه في حالة عدم الاستيلاء على المدينة بالقوة سيقضي فصل الشتاء في إفريقيا(الجزائر).
 في غضون ذلك كان كل طرف يحضر نفسه للقتال، كان القائد في مدينة الجزائر يثير حماس الجميع وشجاعتهم ويحرضهم مذكرا إياهم  بالهزائم المتتابعة التي مني بها الغزاة أمام المدينة واعدا ومبشرا بالقدوم القريب لخير الدين...
كان عدد المقاومين يقدر على الأكثر ب 1500 انكشاري وما يتراوح بين 5000 و6000 من أهل الأندلس (المورو) الذين جيء بهم حديثا من اسبانيا، يضاف إليهم الرياس (البحارة) وأهل المدينة. وقد كان هؤلاء سيئي التسليح وعديمي الانضباط.
رد حسن آغا بكبرياء على إنذار الإمبراطور و ذكره بالهزائم المهينة للغزاة أمام مدينة الجزائر وقال له أنه أعجز من أن يستولي على أبسط حصن من حصون البلاد.
أمام هذا الرفض لم يبق إلا القتال. في يوم 24 سار الجيش. كانت الطليعة تتكون من الإسبان تحت قيادة "فرديناند دي غونزاك" وفي القلب كان الملك وجنوده من الألمان والمالطيين أما الصقليون مع فرسان مالطة فشكلوا المؤخرة تحت قيادة "س.كولونا".
معلم مقام الشهيد و رياض الفتح في أعالي خليج مدينة  الجزائر
(كدية الصابون) حيث نصب الإمبراطور شارلكان خيمته استعدادا لدخول مدينة الجزائر
هاجمت كوكبة من الأهالي الجناح الأيسر وتحتم للتخلص منهم انتزاع المرتفعات و قد أنجز الصقليون وجيش "بونة" (عنابة)هذه المهمة بنجاح كبير وصعدوا ،في وقت قصير، التل المسمى بكدية الصابون حيث سيبنى فيما بعد حصن الإمبراطور(...)
اشتدت الريح على الساعة التاسعة ليلا  وهبت عاصفة عــــــاتية علــــى الخليـــــج وألقت ببللها وبردها على  الجنود الجياع الذين كانوا في العراء في حالة معنوية سيئة، ولم تكتف بذلك  فرمت بالسفن العديدة بعضها على بعض و قذفتها إلى الســـاحل. وجاءت فرصة ثمينة لم تكن منتظرة استغلها حسن آغا ببراعة في الصباح الباكر بإخراج إنكشارييه تحت قيادة الحاج البشير لمهاجمة الجيش الإمبراطوري.
فوجئت طليعة الجيش الإمبراطوري بهذا الهجوم المباغت في مثل تلك الظروف وارتمت بفوضى على القلب ولم يتحول هذا الفشل إلى كارثة إلا بفضل شجاعة فرسان مالطة إذ مكن تصرفهم الشجاع ل" كولونا " بأن يجمع رجاله وسرعان ما اضطر الانكشاريون إلى العودة إلى المدينة.
لم تكن لهذه المناوشة أهمية كبيرة ولكن العاصفة زادت عنفا. و شاهد الجيش، من ذلك المدرج حيث كان مستقرا ، قدوم عشرات  السفن متتابعة إلى الشاطئ . كان الأهالي المصطفون على الشاطئ يحيون غرق كل سفينة بصيحات مرعبة، وتحتم إرسال عدة كتائب لحماية المنكوبين.
أنزلت  المؤن من  على ظهر سفن الأسطول ولم يضع منها  شيء، لأن المحاصرين لم يكن يظهر عليهم الاستعداد للقيام بمحاولة أخرى للخروج خارج الأسوار.
لم يكن لدى هذا الحشد الضخم ما يأكله  ولا ملجأ يأوي إليه. زد على ذلك أن العاصفة كانت مستمرة.
كان "دوريا" قد بعث إلى الملك، نداء يائسا متوسلا إليه أن يتخلى عن مشروعه لتجنب كارثة أكبر، وأعلمه أنه سيغادر هذا الخليج المهلك وأنه سينتظره وراء رأس ماتيفو (تامنتفوست). كان دوريا،على الدوام، ينصح بعدم القيام بهذه الحملة. أما الجنود فقد  فاض يأسهم  لما رأوا آخر سفنهم تتخلى عنهم ولم يكن بالمستطاع إقناعهم بأن هذا الإجراء كان لضمان  نجاتهم.
كان شارل الخامس، منذ مساء يوم 25، قد قرر الانسحاب في اليوم الموالي وأمر بقتل كل الخيول، بداية بحصانه هو، لإطعام جيشه.
في صباح يوم 26، بدأ الجيش انسحابه و قضى النهار بكامله للاستقرار وراء "واد خنيس" (واد الخميس؟). في اليوم الموالي 27 تشكل في طابور انسحاب ضخم ، وكالعادة في مثل تلك الحالات، خرجت أسراب من المهاجمين ولا أحد يعلم من أين خرجت لتهاجم ذلك  الجيش المحطم المعنويات والمنهك. تحتم اجتياز واد الحراش الذي كان في حالة فيضان ثم الحميز، و أخيرا تم بلوغ رأس ماتيفو يوم 29، حيث لجأت السفن الناجية من الغرق والجنوح، وحيث عثر على الطعام.
في "ماتيفو " عقد قادة الجيش مجلس حرب و تبادلوا الآراء في شأن الركوب والرحيل، باستثناء اثنين منهم وهما ف.كورتاز وكونت ألكودات الذي كان يعرف الناس والبلد جيدا وقد ذهب إلى حد طلب شرف القيام بعمل يتحمل مخاطره مع بعض المتطوعين المختارين . و لكن "دوريا" ألح على مغادرة هذا الخليج غير المضياف في أسرع وقت وتغلبت وجهة نظره.
بدأ الصعود إلى السفن يوم 01 نوفمبر، و بما أن البحر أصبح أكثر هيجانا تركت السفن المحملة تذهب على حدة. اثنتان منهما جاءتا إلى الساحل وشوهد البحارة والجنود الذين نجوا من الأمواج يقعون تحت رحمة  خناجر الأهالي.
لم يغادر الإمبراطور الشاطئ إلا يوم 03 واضطر إلى الفرار من وجه العاصفة و البحث عن ملجأ في بجاية (الواقعة تحت السيطرة الإسبانية آنذاك) وهناك أمر بترميــم الدفاعــات وإتمامها ولكن الأمل في العثور على مؤن في هذا المكان خاب إذ كل من كان فيه كان يعاني الجوع.
في يوم 18 نوفمبر،  غادر شارل الخامس ذلك الملجأ ودخل يوم 2 ديسمبر إلى مدينة قرطاجنة في حالة يرثى لها حيث استقبله رعاياه بفرح لأن الشائعات عن موته كانت قد انتشرت.وهكذا انتهت حملة الجزائر .
إن هذا الفشل هو أول فشل خطير يتعرض له شارل الخامس.الخسائر التي تكبدها الإمبراطور أمام مدينة الجزائر ضخمة :جنوح عدد كبير من السفن إلى الشاطئ، خسران كل عتاده، حوالي 200 قطعة مدفعية، و أخيرا إذا استندنا إلى أرقام المسلمين، 12 ألف رجل بين غريق وقتيل  أو أسير.هذه هي حصيلة تلك الحملة  البائسة.
إذا كانت للكارثة أمام الجزائر انعكاسات مؤلمة على أوروبا فإن الأثر المترتب عنها في بلاد البربر، هو في اتجاه آخر ربما أكبر وأعظم. 
أرسل حسن وصفا مسهبا إلى الباب العالي عن طريق مبعوث خاص قدمه خير الدين باشا بنفسه للسلطان، وقد أغدق السلطان سليمان (القانوني) عليه بالهدايا لرئيسه ولقبه باشا، حاكما للجزائر.عند عودته المبعوث إلى الجزائر أستدعي مجلس كبير للانعقاد في الديوان و قرئت فيه رسائل السلطان . وأقيمت الأفراح المستمرة  في هذه المدينة التي حماها الإله بجلاء ووضوح. و قد كتب مؤلف مسلم معاصر للأحداث أن مدينة الجزائر كانت ، حينئذ ، تشبه عروسا شابة تتأمل بخيلاء جمالها وتتمتع بسعادة لا مثيل لها.
كان اليهود من بين الذين أبدوا فرحم الغامرأفراحهم فلقد وجدوا في مدينة الجزائر ملجأ من اضطهاد الإسبان لهم . لقد تلقوا برعب كبير احتمال الوقوع ثانية تحت نير مضطهديهم .و نظم الحاخامات أشعــــــارا مدائحيـــة وأحييت ذكرى انكسار الإسبان،إلى وقت قريب، من طرف يهود الجزائر.

المصدر:    HISTOIRE DE L’AFRIQUE SEPTENTRIONALE ,  ERNEST MERCIER, TROISIEME.1868 TOME 
ترجمة:كاتب مدونة تاج بتصرف.

هناك تعليقان (2) :

غير معرف يقول...

chebabe bssh tewil

غير معرف يقول...

جيد